السيد محمد تقي المدرسي
52
من هدى القرآن
إلا نبي الله إبراهيم فإن المستحب ذكره أولًا ثم الثناء على نبينا وآله ، فتكون جملة القول : ( على إبراهيم وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام ) . [ 110 ] ولكن هذا الجزاء الذي يحصل عليه الأنبياء ليس بسنة خاصة بهم ، إنما ضمن العدالة الإلهية التي تشمل البشرية كلها ، فلأن إبراهيم كان محسنا استحق هذه الكرامة . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ونستوحي من هذه الآية فكرتين : الأولى : أن الجزاء الحسن ليس قصرا على الأنبياء وحدهم ، إنما يلقاه كل محسن في كل زمان ومكان ، وأن الكرامة الحقيقية لا ينالها الإنسان إلا بالكفاءة والسعي ( والإحسان ) وأن جهود المؤمن لن تضيع ، فربنا يحفظ لكل عمله ويجازيه عليه إنْ في حياته أو بعد الوفاة ، وما هذا الجزاء الدنيوي إلا دليلا على الجزاء الأعظم في الآخرة . الثانية : أن الإحسان إلى الناس يجازيه الرَّب بالولاية عليهم ، فأحق الناس بالناس أحبهم لهم وأكثرهم إحسانا إليهم . [ 111 ] وربنا عز وجل يجازي من كان محسنا على إحسانه ويقدِّره ، حتى ولو لم يكن مؤمنا ، لأن الإحسان بذاته محمود عنده ، وقد قال سبحانه : هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [ الرحمن : 60 ] . فكيف إذا كان المحسن مؤمنا ؟ بالطبع سوف يجازى أكثر في الدنيا والآخرة ، لأن إحسانه للناس ليس من أجل سمعة طيبة أو جزاء مادي عاجل ، بل يزيد في رصيده الأخروي ، فهذا إبراهيم عليه السلام وقد سنَّ الأضحية لله فتنامى ثوابه بقدر ما افتدى به الآخرون ، إذن فالمؤمن يحصل على الجزاء بمقتضى سنتين ، سنة الإحسان ، وسنة الإيمان ، لهذا يؤكد الله على إحسان نبيه إبراهيم عليه السلام ثم يعود للتأكيد على إيمانه فيقول : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ فجزاؤه مضاعف إذن . [ 112 ] يزعم البعض أن الذي يخالف المجتمع الجاهلي ، سوف يعزل ويتجاوزه التيار ثم يكون أبتر ولا يبقى له أثر ، ولكن العكس تماما نجده في تأريخ الأنبياء ، فبالرغم من مخالفتهم جموع الكافرين فإن الله سبحانه أهلك أعداءهم ، وبارك في ذريتهم ، ونشر ثناءهم على كل لسان وفي كل زمن . فهذا إبراهيم عليه السلام يحنف عن قومه لوحده حتى يكون لوحده أمة قانتا لله ، ولكن انظر إلى العاقبة فأين أولئك الذين خالفوه ؟ أما هو فهذا امتداده المبارك في ذريته وتابعيه . وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ فصلاح الوالدين ينعكس على الأجيال التي تنسل منهما ، عبر طائفة من السنن الإلهية كالوراثة ، والتربية ، وتأييدات ربانية . [ 113 ] ثم بارك الله لإبراهيم ولإسحاق . وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ فقسم من العرب